محمد الريشهري

2943

ميزان الحكمة

في الأولى والآخرة وله الحكم ) * ( 1 ) لكن تحليل معنى هذا الملك الوضعي يكشف عن ثبوت ذلك في الحقائق ثبوتا غير قابل للزوال والانتقال ، كما أن الواحد منا يملك نفسه بمعنى أنه هو الحاكم المسلط المتصرف في سمعه وبصره وسائر قواه وأفعاله ، بحيث إن سمعه إنما يسمع وبصره إنما يبصر بتبع إرادته وحكمه ، لابتبع إرادة غيره من الأناسي وحكمه ، وهذا معنى حقيقي لا نشك في تحققه فينا مثلا تحققا لا يقبل الزوال والانتقال كما عرفت ، فالإنسان يملك قوى نفسه وأفعال نفسه وهي جميعا تبعات وجوده قائمة به غير مستقلة عنه ولا مستغنية عنه ، فالعين إنما تبصر بإذن من الإنسان الذي يبصر بها ، وكذا السمع يسمع بإذن منه ، ولولا الإنسان لم يكن بصر ولا إبصار ولا سمع ولا استماع ، كما أن الفرد من المجتمع إنما يتصرف فيما يتصرف فيه بإذن من الملك أو ولي الأمر ، ولو لم تكن هذه القوة المدبرة التي تتوحد عندها أزمة المجتمع لم يكن اجتماع ، ولو منع عن تصرف من التصرفات الفردية لم يكن له أن يتصرف ولا نفذ منه ذلك ، ولا شك أن هذا المعنى بعينه موجود لله سبحانه الذي إليه تكوين الأعيان وتدبير النظام ، فلا غنى لمخلوق عن الخالق عز اسمه لا في نفسه ولا في توابع نفسه من قوى وأفعال ، ولا استقلال له لا منفردا ولا في حال اجتماعه مع سائر أجزاء الكون وارتباط قوى العالم وامتزاج بعضها ببعض امتزاجا يكون هذا النظام العام المشاهد . قال تعالى : * ( قل اللهم مالك الملك ) * ( 2 ) وقال تعالى : * ( لله ملك السماوات والأرض ) * ( 3 ) وقال تعالى : * ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير * الذي خلق الموت والحياة - إلى أن قال - الذي خلق سبع سماوات طباقا ) * ( 4 ) والآيات - كما ترى - تعلل الملك بالخلق ، فكون وجود الأشياء منه وانتساب الأشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في تحقق ملكه ، وهو بمعنى ملكه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى غيره ، ولا يقبل نقلا ولا تفويضا يغني عنه تعالى وينصب غيره مقامه . وهذا هو الذي يفسر به معنى الملكوت في قوله : * ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ ) * ( 5 ) فالآية الثانية تبين أن ملكوت كل شئ هو كلمة " كن " الذي يقوله الحق سبحانه له ، وقوله فعله ، وهو إيجاده له . فقد تبين أن الملكوت هو وجود الأشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به ، وهذا أمر لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده ، فالربوبية التي هي الملك والتدبير لاتقبل تفويضا ولا تمليكا انتقاليا . ولذلك كان النظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية ، كما قال تعالى : * ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات

--> ( 1 ) القصص : 70 . ( 2 ) آل عمران : 26 . ( 3 ) المائدة : 120 . ( 4 ) الملك : 1 - 3 . ( 5 ) يس : 82 ، 83 .